محمد بن جرير الطبري

113

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

نُهُوا عَنْهُ يقول : ولو وصل الله لهم دنيا كدنياهم ، لعادوا إلى أعمالهم أعمال السوء . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ . وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين العادلين به الأوثان والأصنام الذين ابتدأ هذه السورة بالخبر عنهم ، يقول تعالى ذكره : وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا يخبر عنهم أنهم ينكرون أن الله يحيي خلقه بعد أن يميتهم ، ويقولون : لا حياة بعد الممات ولا بعث ولا نشور بعد الفناء . فهم بجحودهم ذلك وإنكارهم ثواب الله وعقابه في الدار الآخرة ، لا يبالون ما أتوا وما ركبوا من إثم ومعصية ؛ لأنهم لا يرجون ثوابا على إيمان بالله وتصديق برسوله وعمل صالح بعد موت ، ولا يخافون عقابا على كفرهم بالله ورسوله وشيء من عمل يعملونه . وكان ابن زيد يقول : هذا خبر من الله تعالى عن هؤلاء الكفرة الذين وقفوا على النار ، أنهم لو ردوا إلى الدنيا لقالوا : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وقالوا حين يردون : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . يقول تعالى ذكره : لَوْ تَرى يا محمد هؤلاء القائلين : ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ، إِذْ وُقِفُوا يوم القيامة : أي حبسوا ، عَلى رَبِّهِمْ يعني : على حكم الله وقضائه فيهم . قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ يقول : فقيل لهم : أليس هذا البعث والنشر بعد الممات الذي كنتم تنكرونه في الدنيا حقا ؟ فأجابوا ف قالُوا بَلى والله إنه لحق . قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ يقول : فقال الله تعالى ذكره لهم : فذوقوا العذاب الذي كنتم به في الدنيا تكذبون ، بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ يقول : بتكذيبكم به وجحودكموه الذي كان منكم في الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها يعني تعالى ذكره بقوله : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ قد هلك ووكس في بيعهم الإيمان بالكفر الذين كذبوا بلقاء الله ، يعني : الذين أنكروا البعث بعد الممات والثواب والعقاب والجنة والنار ، من مشركي قريش ومن سلك سبيلهم في ذلك . حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ يقول : حتى إذا جاءتهم الساعة التي يبعث الله فيها الموتى من قبورهم . وإنما أدخلت الألف واللام في " الساعة " ، لأنها معروفة المعنى عند المخاطبين بها ، وأنها مقصود بها قصد الساعة التي وصفت . ويعني بقوله : بَغْتَةً فجأة من غير علم من تفجوه بوقت مفاجأتها إياه ، يقال منه : بغته أبغته بغتة : إذا أخذته ، كذلك قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها يقول تعالى ذكره : وكس الذين كذبوا بلقاء الله ، ببيعهم منازلهم من الجنة بمنازل من اشتروا منازله من أهل الجنة من النار ، فإذا جاءتهم الساعة بغتة ، قالوا إذا عاينوا ما باعوا وما اشتروا وتبينوا خسارة صفقة بيعهم التي سلفت منهم في الدنيا تندما وتلهفا على عظيم الغبن الذي غبنوه أنفسهم وجليل الخسران الذي لا خسران أجل منه : يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها يقول : يا ندامتنا على ما ضيعنا فيها ؛ يعني في صفقتهم تلك . والهاء والألف في قوله : فِيها من ذكر الصفقة ، ولكن اكتفى بدلالة قوله : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ عليها من ذكرها ، إذ كان معلوما أن الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع قد خسرت . وإنما معنى الكلام : قد وكس الذين كذبوا بلقاء الله ، ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به من الله رضوانه وجنته بالكفر الذي يستوجبون به منه سخطه وعقوبته ، ولا يشعرون ما عليهم من الخسران في ذلك حتى تقوم الساعة ، فإذا جاءتهم الساعة بغتة فرأوا ما لحقهم من الخسران في بيعهم قالوا حينئذ تندما . يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها أما " يا حسرتنا " : فندامتنا على ما فرطنا فيها فضيعنا من عمل الجنة . حدثنا محمد بن عمارة